صديق الحسيني القنوجي البخاري

44

فتح البيان في مقاصد القرآن

قال قتادة : افترض اللّه ذكره عند أشغل ما يكونون عند الضراب بالسيوف وأخرج الحاكم وصححه عن سهل بن سعد قال : قال رسول اللّه‌صلى اللّه عليه وسلم : « ثنتان لا يردان الدعاء عند النداء وعند البأس حين يلحم بعضهم بعضا » « 1 » ، وأخرج الحاكم وصححه عن أبي موسى أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يكره الصوت عند القتال « 2 » . لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ أي كونوا على رجاء الفلاح والنصر والظفر وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا أمرهم بطاعة اللّه فيما يأمرهم به وطاعة رسوله فيما يرشدهم إليه ونهاهم عن التنازع ، وهو الاختلاف في الرأي فإن ذلك يتسبب عنه الفشل وهو الجبن في الحرب ، وأما المنازعة بالحجة لإظهار الحق فجائزة كما قال : وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [ النحل : 125 ] بل هي مأمور بها بشروط منها قصد إظهار الحق على لسان أي الخصمين وعلامته أن يفرح لظهوره على لسان خصمه . وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ الريح القوة والنصر كما يقال الريح لفلان إذا كان غالبا في الأمر ، وقيل الريح الدولة شبهت في نفوذ أمرها بالريح في هبوبها ، والمختار أن الريح يطلق ويراد به القوة والغلبة والرحمة والنصرة والدولة ، قال في الخازن : الريح هنا كناية عن نفاذ الأمر وجريانه على المراد ، تقول العرب هبت ريح فلان إذا أقبل أمره على ما يريد ، وقال قتادة وابن زيد : هي ريح النصر ولم يكن نصر قط إلا بريح يبعثها اللّه تضرب وجوه العدو ومنه قوله صلى اللّه عليه وسلم : « نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور » « 3 » . وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ امرهم بالصبر على شدائد الحرب وأخبرهم بأنه مع الصابرين بالنصر والعون في كل أمر ينبغي الصبر فيه ، ويا حبذا هذه المعية التي لا يغلب من رزقها غالب ، ولا يؤتى صاحبها من جهة من الجهات وإن كانت كثيرة وَلا تَكُونُوا في البطر والاستكبار كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ أي مكة بَطَراً أي فخرا وأشرا وَرِئاءَ النَّاسِ فيصيبكم مثل ما أصابهم نهاهم عن أن تكون حالتهم كحالة هؤلاء وهم قريش فإنهم خرجوا يوم بدر ليحفظوا العير التي مع أبي سفيان ومعهم القيان « 4 » والمعازف فلما بلغوا الجحفة بلغهم أن العير قد نجت وسلمت فلم يرجعوا بل قالوا لا بد لهم من الوصول إلى بدر ليشربوا الخمر وتغني لهم القيان وتسمع العرب بمخرجهم فكان ذلك منهم بطرا وأشرا وطلبا للثناء من الناس والتمدح إليهم ، والفخر عندهم ، وهو الرياء .

--> ( 1 ) المستدرك ، كتاب الجهاد 2 / 113 . ( 2 ) المستدرك ، كتاب الجهاد 2 / 116 . ( 3 ) أخرجه البخاري في الاستسقاء باب 26 ، والمغازي باب 29 ، وبدء الخلق باب 5 ، والأنبياء باب 1 ، ومسلم في الاستسقاء حديث 17 ، وأحمد في المسند 1 / 223 ، 228 ، 324 ، 341 ، 355 ، 373 . ( 4 ) القيان : هم المغنيات .